الحارث المحاسبي
103
الرعاية لحقوق الله
ألا يعود ، وقد أنجع حينئذ فيهما الخوف . قلت : فالندم على جملتها يجزيه دون معرفتها بأعيانها . قال : لا ، لأن كثيرا من الذنوب يسترها الهوى ، ويحول بين العبد وبينها النسيان ، وللعدو والنفس خدع عند ذلك ، إذا علما أنه قد غلبهما ، وصار إلى الندم واعتقاد التوبة من ذنوبه ، أرياه أنه لا ذنوب له إلا الذنوب التي يذكرها في هذا المقام ، وقد تكون له ذنوب أخر كثيرة ، كانت في أحواله فيما مضى من عمره ، من كلام لا يظنه ذنبا أو عمل لا يعدّه خطأ ، أو مظلمة لا يرى أنها مظلمة لغلبة الهوى ، وقد يخيل إليه أنه قد تاب من جميع ذنوبه وهو مصرّ على أكثرها أو بعضها وهو لا يعلم ؛ لأنه في وقت الخوف أطوع ما كان لربّه جلّ وعزّ ، وليس له جارحة تتحرك بما يكره مولاه ، وهذا لا يكاد يعرف جميع ذنوبه تلك الساعة . فإن كان عاقلا متيقظا علم أن له ذنوبا كانت في أحواله فيما مضى من عمره كثيرة ، ومثله فيما كان من الغفلة يعمّى عليه أكثر ذنوبه من كلام يتكلم به لا يظنّه محرما عليه ، أو عقد ضمير بالسوء لم يكن يراه فيه مخطئا ، بل قد يسمع به فيتعجب ممن يأتيه ، وهو يفعله ولا يعرفه . * * * * * * * * * *